يتناول محمد القرضاوي، محرر الأخبار، في تحليل نشره موقع «صوت الإمارات»، تصاعد أهمية تأمين مناجم الذهب في الصحراء الشرقية المصرية، في ظل تنامي أنشطة التنقيب غير القانوني وشبكات التهريب والجماعات المسلحة التي تسعى إلى فرض نفوذها على مناطق التعدين. ويرى الكاتب أن الصراع لم يعد مقتصراً على استخراج المعادن والاستحواذ على عائداتها، بل تحول إلى تحدٍ أمني واقتصادي يتعلق بسيادة الدولة على أراضيها، وحماية مواردها الطبيعية، ومنع نشوء اقتصاد موازٍ تتداخل مصالحه مع شبكات الجريمة والتهريب الإقليمية.
وأوضح موقع «صوت الإمارات» أن عمليات القوات المسلحة المصرية تحت اسم «الدرع الجنوبي» لمواجهة التنقيب غير القانوني عن الذهب في الصحراء الشرقية تتجاوز مجرد مصادرة المعدات أو القبض على المتورطين، إذ تواجه مصر تحدياً مركباً يتمثل في حماية أراضيها وثرواتها المعدنية، ومنع تحول مناطق التعدين إلى مراكز نفوذ خارج سيطرة الدولة.
معركة تتجاوز استخراج الذهب ومؤشرات تكشف حجم المواجهة
تكمن الخطورة الحقيقية للتنقيب غير القانوني عن الذهب، وفقاً للتحليل، في أن خسائر الدولة لا تقتصر على حرمان الخزانة العامة من جزء من عائدات ثرواتها المعدنية، بل تمتد إلى خروج عمليات الاستخراج والنقل والتجارة من منظومة الرقابة القانونية. فعندما يتحول الذهب إلى سلعة تُستخرج وتُباع دون تراخيص أو سجلات رسمية، تتسع فرص التهرب المالي وإخفاء مصادر الأموال، وتنشأ شبكات مصالح تعمل خارج سلطة المؤسسات الرسمية.
وتزداد حساسية الوضع عندما ترتبط أنشطة التنقيب بوجود أسلحة ومركبات ومعدات اتصالات وإمدادات تشغيلية في المناطق النائية. وفي هذه الحالة، تتجاوز المسألة مجرد مخالفة اقتصادية لتتحول إلى تحدٍ أمني يتطلب فرض سلطة الدولة على أراضيها، ومنع أي جماعات من ممارسة نفوذ مستقل في مناطق تتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية.
وتكشف نتائج المراحل الأولى من عملية «الدرع الجنوبي» عن اتساع نطاق العمليات المصرية. ووفقاً للبيانات الرسمية، أسفرت الإجراءات التي نُفذت خلال الفترة من 14 يونيو إلى 29 أكتوبر 2026 عن القبض على 691 شخصاً، بينهم 151 مصرياً و540 أجنبياً، فضلاً عن تسليم 6614 شخصاً أنفسهم قبل بدء العمليات.
وشملت المضبوطات 34 قطعة سلاح، و6307 طلقات ذخيرة، و317 مركبة، و916 قطعة من المعدات الهندسية، و73 جهاز كشف عن المعادن، و433 مولداً كهربائياً، إلى جانب كميات كبيرة من المؤن والمواد المرتبطة بأنشطة التعدين.
ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في حجم المضبوطات وحده، بل في تنوعها، بما يكشف طبيعة الأنشطة التي تواجهها القوات المسلحة في مناطق صحراوية شاسعة يصعب تأمينها بالوسائل التقليدية وحدها.
لماذا تستهدف شبكات التهريب الذهب؟
يمتلك الذهب خصائص تجعله هدفاً جذاباً لأنشطة التهريب غير القانوني، إذ ترتفع قيمته مقارنة بوزنه، ويمكن نقله في كميات صغيرة، كما يصعب في كثير من الأحيان تحديد مصدره بعد صهره أو دخوله دورة التداول التجاري.
وتتيح هذه الخصائص لشبكات التهريب إخفاء المنشأ الحقيقي للمعدن وإدخاله إلى الأسواق الرسمية عبر وسطاء وشركات واجهة.
ولا تقتصر المخاطر على تهريب الذهب نفسه، بل تمتد إلى تحويل عائداته إلى أموال مجهولة المصدر، بما يفتح المجال أمام غسل الأموال وتمويل الأنشطة الإجرامية. ولذلك، يتطلب تأمين الذهب المصري إحكام الرقابة على سلسلة الإمداد بأكملها، بدءاً من مواقع الاستخراج وصولاً إلى البيع النهائي والتصدير وفقاً للضوابط القانونية.
وتقدم الأزمة السودانية نموذجاً واضحاً للمخاطر التي تنشأ عندما تتداخل الثروات المعدنية مع النزاعات المسلحة وضعف مؤسسات الدولة. فقد وثق تقرير فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن الدولي، الصادر في يناير 2024، مسارات تهريب الذهب وشبكات التجارة العابرة للحدود، في وقت تحولت فيه الموارد الطبيعية إلى أحد مكونات ما يُعرف بـ«اقتصاد الصراع».
كما تناولت دراسة صادرة عن معهد تشاتام هاوس في مارس 2025 دور الذهب في تمويل أطراف النزاع السوداني، وكيف ساعدت شبكات التجارة غير الرسمية على استمرار تدفق المعدن عبر الحدود.
وتوضح الحالة السودانية أن السيطرة على الموارد المعدنية ليست قضية اقتصادية منفصلة عن الأمن، بل قد تتحول إلى عامل حاسم في قدرة الجماعات المسلحة على تمويل أنشطتها وإطالة أمد الصراعات.
تأمين الحدود وسلاسل الإمداد مع فتح المجال للاستثمار
تفرض طبيعة التحديات الحالية على مصر توسيع مفهوم الحماية الأمنية، بحيث لا يقتصر على منع التسلل ومصادرة المعدات، بل يشمل مراقبة طرق نقل الذهب وتتبع مصادره وإخضاع الجهات التي تشتريه وتعيد تداوله لرقابة صارمة.
فشبكات الأنشطة غير القانونية لا تحقق أرباحها عند مرحلة الاستخراج وحدها، بل عبر سلسلة من العمليات اللاحقة التي قد تمتد إلى مناطق بعيدة عن مواقع التعدين.
ويتطلب تأمين الحدود الجنوبية تنسيقاً مستمراً بين الأجهزة الأمنية والجهات الرقابية والاقتصادية، ولا سيما في المناطق التي تتداخل فيها أنشطة التعدين مع طرق التجارة والمسارات الصحراوية. وكلما زادت قدرة هذه المنظومة على تبادل المعلومات وتتبع حركة الأموال والذهب، تراجعت فرص تحول الأنشطة غير القانونية إلى شبكات يصعب تفكيكها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول مواجهة التنقيب غير القانوني إلى عائق أمام الاستثمار في قطاع التعدين أو تقنين أوضاع العاملين فيه. إذ تمتلك مصر فرصاً كبيرة لتطوير مواردها المعدنية، لكن تحويل هذه الفرص إلى قيمة اقتصادية حقيقية يتطلب توفير بيئة آمنة، وإجراءات واضحة لإصدار التراخيص، ورقابة فعالة، وضمانات لحماية العاملين والاستثمارات.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين أنشطة التعدين المشروعة، التي يمكن أن توفر فرص عمل وعوائد اقتصادية للمجتمعات المحلية، والممارسات غير المرخصة وغير القانونية التي تهدد الموارد والأمن. ويشكل تنظيم القطاع وإتاحة مسارات قانونية لممارسة أنشطته جزءاً أساسياً من الحل، إلى جانب الإجراءات الأمنية وملاحقة شبكات التهريب.
تضحيات حماية السيادة والثروات الوطنية
تكتسب المواجهة بُعداً إنسانياً مع الإبلاغ عن مقتل العقيد أحمد سمير، رئيس أركان قوات حرس حدود المنطقة الجنوبية، والمقدم أحمد جودة، رئيس عمليات إحدى كتائب حرس الحدود، خلال العمليات. وتعكس هذه الخسائر حجم المخاطر التي يواجهها أفراد القوات المسلحة أثناء حماية حدود البلاد ومواردها الطبيعية، كما تؤكد أن تأمين المناطق النائية لا يقل أهمية عن حماية المدن والمراكز الحضرية المأهولة.
وفي المحصلة، لا تُقاس أهمية عملية «الدرع الجنوبي» بعدد المقبوض عليهم أو حجم المعدات المصادرة فحسب، بل بقدرتها على منع تحول مناطق التعدين إلى بؤر خارجة عن القانون، وحماية حق الدولة في إدارة مواردها الطبيعية، وتأمين سلسلة إمداد الذهب بالكامل، بدءاً من الاستخراج وصولاً إلى التجارة والتداول.
ويتمثل التحدي الأساسي في ضمان عدم تحول ثروات مصر إلى مصدر قوة لاقتصاد موازٍ تظل عائداته بعيدة عن متناول الاقتصاد الوطني.
إن حماية ذهب الصحراء الشرقية لا تقتصر على الدفاع عن معدن ثمين، بل ترتبط بحماية سيادة الدولة، وحق الشعب المصري في ثرواته، وتأمين الحدود من التحول إلى مناطق مفتوحة أمام شبكات التهريب والنفوذ المسلح.

